الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واللام في لِيَجْعَلَ داخلة على أن المصدرية محذوفة وهي لام يكثر وقوعها بعد أفعال الإرادة وأفعال مادّة الأمر ، وهي لام زائدة على الأرجح ، وتسمّى لام أن . وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النّساء [ 26 ] ، وهي قريبة في الموقع من موقع لام الجحود . والحرج : الضيق والشدّة ، والحرجة : البقعة من الشجر الملتفّ المتضايق ، والجمع حرج . والحرج المنفي هنا هو الحرج الحسّي لو كلّفوا بطهارة الماء مع المرض أو السفر ، والحرج النفسي لو منعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن استعمال الماء لضرّ أو سفر أو فقد ماء فإنّهم يرتاحون إلى الصّلاة ويحبّونها . وقوله : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ إشارة إلى أنّ من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير حسّي لأنّه تنظيف ، وتطهير نفسي جعله اللّه فيه لمّا جعله عبادة ؛ فإنّ العبادات كلّها مشتملة على عدّة أسرار : منها ما تهتدي إليه الأفهام ونعبر عنها بالحكمة ؛ ومنها ما لا يعلمه إلّا اللّه ، ككون الظهر أربع ركعات ، فإذا ذكرت حكم للعبادات فليس المراد أنّ الحكم منحصرة فيما علمناه وإنّما هو بعض من كلّ وظنّ لا يبلغ منتهى العلم ، فلمّا تعذّر الماء عوّض بالتيمّم ، ولو أراد الحرج لكلّفهم طلب الماء ولو بالثّمن أو ترك الصّلاة إلى أن يوجد الماء ثمّ يقضون الجميع . فالتيمّم ليس فيه تطهير حسّي وفيه التّطهير النّفسي الذي في الوضوء لمّا جعل التّيمّم بدلا عن الوضوء ، كما تقدّم في سورة النساء . وقوله وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي يكمل النّعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام ، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الرّاجعة إلى التزكية والتطهير مع التيسير في أحوال كثيرة . فالإتمام إمّا بزيادة أنواع من النّعم لم تكن ، وإمّا بتكثير فروع النّوع من النّعم . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي رجاء شكركم إيّاه . جعل الشكر علّة لإتمام النّعمة على طريقة المجاز بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحثّ عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول . [ 7 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 7 ] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) عطف على جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [ المائدة : 6 ] الآية الواقعة تذييلا لقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] الآية .